طير في السما
08-17-2005, 12:31 AM
فهمي هويدي :
الوقت مبكر جداً على الفرح والتفاؤل في العالم العربي. فالضجيج الذي يصم آذاننا ليس اكثر من حزمة أصوات اختلطت فيها الأوهام بالأكاذيب. وإذا أردت مصداقاً لما أقول فتلفت حولك في عواصم العرب، وخذ المشهد الفلسطيني مثلاً، خصوصاً «ملعوب» الانسحاب من غزة، الذي يفترض أن يكون قد تم أمس.
«1»
ثمة ضجة في إسرائيل حول الموضوع، تقف وراءها جماعات الغلاة والمهووسين، الذين يعتبرون غزة جزءاً لا يتجزأ مما يسمونه «إسرائيل الكبرى». ليس ذلك وحسب، وإنما يعتبرون أن لهم حقاً مقدساً مماثلاً في الضفة الغربية وشرق الأردن وسيناء وبعض لبنان. ومع هؤلاء شريحة أخرى من الغلاة الذين يريدون أن يحولوا مسألة الانسحاب إلى «صدمة» مفجعة للشعب الإسرائيلي، حتى لا تتكرر بعد ذلك من أي مكان آخر من «أرض إسرائيل». من الأولين نفر من فتيان مستوطنات «غوش قطيف» أعلنوا انهم سوف يفقدون عقولهم يوم الجلاء، ويتجهون إلى البحر حيث يسلمون أنفسهم للغرق الجماعي! - «هاآرتس - 2005/8/ 2» ومن الأخيرين الحاخام يسرائيل روزين، أحد قيادات المستوطنين، الذي كتب مقالة تحت عنوان: الخنوع والراية البيضاء والمنفى، قال فيها: «أن هزيمتنا لا تحدث على يد طاغية معاد لنا، ولا على الشهداء المسلمين، ولا على يد ذئاب شعوب العالم، وإنما نحن نهزم على يد أبناء شعبنا.. وبما أن جعبتنا قد فرغت من الأسلحة الاحتجاجية السياسية فإنني أدعو إلى التفكير في الاستسلام، ورفع الرايات السوداء والبيضاء والتوجه إلى المنفى.. وعلينا أن نوقف النقاش مع النخبة اليسارية والإعلامية والوسط السياسي والقضاء والوسط الأكاديمي، حتى تنفجر الديمقراطية في وجوههم».
هذه الضجة التي أسرفت الصحف ووكالات الأنباء في متابعة أخبارها، وظفها شارون في حملة الكذب والتمويه التي أطلقها بمناسبة الانسحاب، كي يغسل يد إسرائيل ويحسن صورتها، وهو يمضي في تنفيذ مخططه الوحشي، فعقب عليها في باريس - أثناء زيارته الأخيرة لها - قائلاً: هذه الأيام بات العالم يعرف اكثر من أي وقت مضى، ما نقصده حين ندعو إلى «تنازلات مؤلمة» لتحقيق السلام (!).
وسط حمى الانفعال التي اجتاحت المستوطنين بمناسبة الانسحاب، قام أحدهم «عيدان ناثان زادة، من مستوطنة تفاح، قرب نابلس» بقتل أربعة من عرب 48، وجرح آخرين كانوا يستقلون إحدى الحافلات، «في 8/4 الحالي». غير أن بعض المعقلين الإسرائيليين شككوا في الأمر، وذهبوا إلى أن ما جرى كان جزءاً من «الملعوب» الشاروني. فقد كتب المحرر السياسي لصحيفة «يديعوت احرونوت» اليكس فشمان «في 8/5» قائلاً أن المستوطن كان معروفاً بتطرفه وباختلاطه مع أنداد له من الغلاة، وانه قضى الاشهر الأربعة الأولى من خدمته العسكرية فاراً أو في السجن، ومع ذلك ترك يتجول في مستوطنات غوش قطيف، وهو يحمل سلاحاً من الجيش. ورغم تواتر الأنباء عن اتجاه المتطرفين إلى القيام بعمليات إرهابية، فان الشاب ترك مطلق السراح، ولم يحاول جهاز المخابرات الداخلية «الشاباك» تتبعه أو إلقاء القبض عليه، وهو أمر يبعث على الشك، على نحو يسمح بافتراض أن تركه لم يكن إهمالا أو مصادفة، وإنما كان الأمر مقصوداً. وهذا الشك في ضلوع الشاباك في المسألة ووجود اجندة خفية وراء ما جرى، عبر عنه أيضاً عاموس هرئيل أحد المعلقين في «هاآرتس».
أمثال هذه التعليقات التي توحي بأن الشاباك غض الطرف عن تحركات الإرهابي عبيدان ناثان، أرادت أن تقول أن شارون سعى لان يضرب عصفورين بحجر واحد، فمن ناحية فان «السماح» بوقوع الحادث يورط معارضيه من غلاة المستوطنين ويحرجهم أمام الرأي العام الداخلي. ومن ناحية ثانية فانه أراد أن يبرهن للرأي العام الخارجي على انه يواجه ضغوطاً عنيفة في الداخل، ولا يستطيع أن يكرر مسألة الانسحاب مرة ثانية (من الضفة الغربية)، حتى لا ينفجر الموقف داخل البلاد، وهي رسالة تقول لكل المعنيين بالأمر: لا تطالبونا بأكثر مما فعلنا، لأنه يفوق طاقتنا فضلاً عن انه يهدد الاستقرار والسلام الاجتماعي في إسرائيل.
«2»
الموقف يبدو عبثياً في غزة. فثمة أسئلة كبيرة تتعلق بالمستقبل لا أحد يستطيع الإجابة عليها. وكان امتناع وزيرة الخارجية الأمريكية كوندوليزا رايس أثناء زيارتها لتل أبيب في «7/23» عن الإجابة على الأسئلة المتعلقة بمصير القطاع إشارة إلى أن الأمر متروك لتقدير الإسرائيليين «الذين إذا كانوا قد قرروا الانسحاب بغير تشاور مع الفلسطينيين، فربما أرتأوا انهم وحدهم الذين سيحددون مدى الانسحاب والنتائج المترتبة عليه». مع ذلك فمن المؤكد أن غزة لن تخرج عن دائرة النفوذ الإسرائيلي، وإنما ستظل في منزلة بين المنزلتين، فلا هي محتلة تماماً ولا هي مستقلة بالمطلق. من المؤكد أيضاً أن الخروج النسبي من غزة سيعني استفراد إسرائيل بالضفة. بعدما نجحت سلطة الاحتلال في إحكام قبضتها عليها واستنزاف المقاومة، التي لم تستطع طيلة العامين الأخيرين أن تقوم بأي عملية ضد الأهداف الإسرائيلية هناك رغم وفرتها. وهو ما يثير سؤالاً آخر حول موقف السلطة وفصائل المقاومة إذا ما واصل الإسرائيليون اجتياحاتهم وعدوانهم على محافظات القطاع، هل يلتزمون الصمت ويتصرفون كأن الأمر لا يعنيهم، أم يتحركون. وما هو سقف التحرك في هذه الحالة. هذه بدورها مسألة غامضة، ما هو ثابت منها أن السلطة لن تسمح بأي عمل عسكري في غزة تقوم به منظمات المقاومة، التي ستجد نفسها في موقف غاية في الحرج. وإذا كانت قيادة السلطة قد أمرت بإطلاق النار على مجموعة «حماس» التي أطلقت صاروخاً على إحدى المستوطنات «في7/13 الماضي»، فلك أن تتصور مسلكها إذا ما تكررت العملية بعد الانسحاب. «لا تنس انه حين قتل الإسرائيليون عنصراً من الأمن الوطني الفلسطيني أثناء اجتياح طولكرم «في 7/12»، سكتت قيادة السلطة، أما حين ردت حماس وقتلت إحدى المستوطنات، فإنها تعرضت لرشق الأمن الفلسطيني، فيما يمكن أن يفسر بأن قوة الضغوط على قيادة السلطة جعلت غيرتها على الدم الإسرائيلي تتجاوز بمراحل الغيرة على الدم الفلسطيني».
الخلاصة أن الإسرائيليين ابقوا على قيادة السلطة «في العتمة» - كما قال الرئيس محمود عباس - في استمرار فج لسياسة إلغاء الطرف الفلسطيني، إمعاناً في إذلاله، وتأكيداً على انهم أصحاب القرار وأصحاب اليد العليا.
في الداخل الفلسطيني أوضاع لا تقل عبثية. من ذلك أن السيد فاروق قدومي أمين حركة فتح حين اجتمع مع أعضاء المجلس الوطني في عمان تحدث عن «بعض مراكز القوى المشبوهة، في غزة، التي تساعد شارون على انفجار حرب أهلية بين الفلسطينيين»، ووصف تلك المراكز بأنها «مافيات» تهدد وحدة العمل الفلسطيني، متهماً إياها بالارتباط مع إسرائيل وأمريكا «الحياة - 7/31» وهو كلام لم يمر بهدوء لان صداه - المعلن على الأقل - تمثل في اختطاف مسؤول الإعلام لأمانة اللجنة المركزية لحركة فتح «سليم الفرا» من خان يونس، وإقالة اكثر من عشرين سفيراً فلسطينياً محسوبين على قدومي. وهو ما رد عليه أبو اللطف بطرد كل قادة الأمن الوقائي وعناصره من حركة فتح. حسبما نشرت الصحف في 8/12.
واضح إذن أن المشكلة متفاقمة ومرشحة للتصعيد داخل حركة فتح. وهو أمر ليس جديداً على المتابعين للشأن الفلسطيني، الذين يثور بينهم لغط منذ عدة اشهر حول تطلع بعض عناصر السلطة إلى «وراثة» الوضع في غزة بعد الانسحاب، معتبرين أن وجود السيد محمود عباس يمثل مرحلة انتقالية، بعد رحيل أبو عمار. وفي سعيهم لتحقيق مأربهم فان حرصهم شديد على الاستقواء بالإسرائيليين والأمريكيين، مدركين انهم بغير ذلك لن يحققوا مرادهم. وهو ما يفسر إشارة أبو اللطف في هذا الصدد. وهذا الاستقواء ليس كافياً، لان «المافيات» حرصت على أن تثبت جدارتها وأهليتها من خلال السعي لاجتياز اختبار إسكات صوت المقاومة، التي هي اكثر ما يؤرق الإسرائيليين والأمريكيين.
«3»
لا غرابة والأمر كذلك أن تكون رأس المقاومة الوطنية هي اكثر المطلوبين في مرحلة ما بعد الانسحاب، لان التخوف الإسرائيلي من المستقبل شديد، خصوصاً في ظل ما يدبره شارون وجماعته لوضع القطاع ومصير الضفة، حتى تواترت الإشارات في إسرائيل عن احتمال اندلاع انتفاضة ثالثة من جراء ذلك. وقد نقل عكيفا الدار المعلق السياسي لصحيفة «هاآرتس»، تصريحاً بهذا المعنى على لسان شمعون بيريز القيادي في حزب العمل ونائب رئيس الوزراء.
بوجه أخص، فالأضواء مسلطة على حركتي حماس والجهاد. وقد كانت عملية إطلاق النار بواسطة عناصر الأمن الوقائي على أعضاء خلية حماس أثناء عودتهم من «بيت لاهيا» عقب قصف إحدى المستوطنات «رداً على اجتياح طولكرم» بمثابة رسالة من قيادة السلطة أظهرت «العين الحمراء»، وأيدت ما تردد عن أن السلطة مستعدة للذهاب إلى ابعد مدى والتجاوز عن فكرة حرمة الدم الفلسطيني، في سعيها لوقف أنشطة المقاومة. ومما له دلالته المثيرة للانتباه أن وزير الداخلية الحالي اللواء نصر يوسف، الذي تكفل بتوصيل الرسالة في شهر يوليو الماضي، هو ذاته الذي اصدر تعليماته ذات يوم بإطلاق النار «(في شهر أكتوبر عام 1994» على الخارجين من صلاة الجمعة بمسجد فلسطين في غزة، مما اعتبر مذبحة قتل فيها 17 شخصاً وأصيب عشرات. وكان الرجل وقتذاك مديراً عاماً للأمن الوطني.
ثمة حجتان تترددان على ألسنة بعض رموز السلطة في محاولة قمع «حماس» وشل حركتها. الأولى أنها طامعة في الاستيلاء على السلطة في القطاع «صحيفة هاآرتس نشرت في 7/21 تصريحاً لمحمد دحلان وزير الشئون المدنية وأحد المتطلعين لأداء دور اكبر في المستقبل، قال فيه أن حماس حاولت القيام بانقلاب عسكري في غزة!». وهو كلام يتعذر أخذه على محمل الجد. وقد وجدت أن افضل تعليق على هذا الادعاء هو ما كتبه زميلنا ياسر الزعاترة - المعلق السياسي الفلسطيني - وقال فيه أن حماس ليست مبتدئة في علم السياسة كي لا ترى حقيقة المعطيات الموضوعية التي لا تسمح لها بالتفكير في شيء كهذا. ذلك أن تولي حركة إسلامية للسلطة في القطاع، مرفوض إسرائيلياً وعربياً وأمريكياً. من ثم فليس هناك عاقل في حماس يمكن أن يسعى لوضع من هذا القبيل.
الحجة الثانية التي ترددت هي أن السلطة تسعى إلى الحفاظ على القانون وضبط الفلتان الأمني في القطاع. وتلك حجة يضحك لها كل عارف بما يجري في القطاع، لان الجميع يعرفون أن شعار سيادة القانون لم يرفع حين اغلق ثلاثة من المسلحين شارع صلاح الدين، اكبر شارع في القطاع الذي يصل جنوبه بشماله. ولم يتحرك الأمن الوطني لإعادة فتح الشارع. وهو ما تكرر حين نصبت مجموعة من عشرة أشخاص حواجز على نفس الشارع وصادرت جوازات السفر الدبلوماسية لبعض مسؤولي السلطة، ولم يغضب وزير الداخلية وقت ذاك لإهدار سيادة القانون. كما أن إحدى العائلات استولت على مقر المجلس التشريعي، ولم يتحرك الأمن الوطني. بل أن وزير الداخلية نفسه منعته بعض عناصر فتح من دخول جنين، ومرر هذا الموقف المحرج دون اعتبار لسيادة القانون. وهناك مئات الحوادث المماثلة التي يتحدث عنها الغزاويون، ويتندرون بدلالتها حين يجدون وزير الداخلية وأبواق السلطة يبررون إطلاق النار على عناصر حماس، بحجة الحفاظ على سيادة القانون.
الوقت مبكر جداً على الفرح والتفاؤل في العالم العربي. فالضجيج الذي يصم آذاننا ليس اكثر من حزمة أصوات اختلطت فيها الأوهام بالأكاذيب. وإذا أردت مصداقاً لما أقول فتلفت حولك في عواصم العرب، وخذ المشهد الفلسطيني مثلاً، خصوصاً «ملعوب» الانسحاب من غزة، الذي يفترض أن يكون قد تم أمس.
«1»
ثمة ضجة في إسرائيل حول الموضوع، تقف وراءها جماعات الغلاة والمهووسين، الذين يعتبرون غزة جزءاً لا يتجزأ مما يسمونه «إسرائيل الكبرى». ليس ذلك وحسب، وإنما يعتبرون أن لهم حقاً مقدساً مماثلاً في الضفة الغربية وشرق الأردن وسيناء وبعض لبنان. ومع هؤلاء شريحة أخرى من الغلاة الذين يريدون أن يحولوا مسألة الانسحاب إلى «صدمة» مفجعة للشعب الإسرائيلي، حتى لا تتكرر بعد ذلك من أي مكان آخر من «أرض إسرائيل». من الأولين نفر من فتيان مستوطنات «غوش قطيف» أعلنوا انهم سوف يفقدون عقولهم يوم الجلاء، ويتجهون إلى البحر حيث يسلمون أنفسهم للغرق الجماعي! - «هاآرتس - 2005/8/ 2» ومن الأخيرين الحاخام يسرائيل روزين، أحد قيادات المستوطنين، الذي كتب مقالة تحت عنوان: الخنوع والراية البيضاء والمنفى، قال فيها: «أن هزيمتنا لا تحدث على يد طاغية معاد لنا، ولا على الشهداء المسلمين، ولا على يد ذئاب شعوب العالم، وإنما نحن نهزم على يد أبناء شعبنا.. وبما أن جعبتنا قد فرغت من الأسلحة الاحتجاجية السياسية فإنني أدعو إلى التفكير في الاستسلام، ورفع الرايات السوداء والبيضاء والتوجه إلى المنفى.. وعلينا أن نوقف النقاش مع النخبة اليسارية والإعلامية والوسط السياسي والقضاء والوسط الأكاديمي، حتى تنفجر الديمقراطية في وجوههم».
هذه الضجة التي أسرفت الصحف ووكالات الأنباء في متابعة أخبارها، وظفها شارون في حملة الكذب والتمويه التي أطلقها بمناسبة الانسحاب، كي يغسل يد إسرائيل ويحسن صورتها، وهو يمضي في تنفيذ مخططه الوحشي، فعقب عليها في باريس - أثناء زيارته الأخيرة لها - قائلاً: هذه الأيام بات العالم يعرف اكثر من أي وقت مضى، ما نقصده حين ندعو إلى «تنازلات مؤلمة» لتحقيق السلام (!).
وسط حمى الانفعال التي اجتاحت المستوطنين بمناسبة الانسحاب، قام أحدهم «عيدان ناثان زادة، من مستوطنة تفاح، قرب نابلس» بقتل أربعة من عرب 48، وجرح آخرين كانوا يستقلون إحدى الحافلات، «في 8/4 الحالي». غير أن بعض المعقلين الإسرائيليين شككوا في الأمر، وذهبوا إلى أن ما جرى كان جزءاً من «الملعوب» الشاروني. فقد كتب المحرر السياسي لصحيفة «يديعوت احرونوت» اليكس فشمان «في 8/5» قائلاً أن المستوطن كان معروفاً بتطرفه وباختلاطه مع أنداد له من الغلاة، وانه قضى الاشهر الأربعة الأولى من خدمته العسكرية فاراً أو في السجن، ومع ذلك ترك يتجول في مستوطنات غوش قطيف، وهو يحمل سلاحاً من الجيش. ورغم تواتر الأنباء عن اتجاه المتطرفين إلى القيام بعمليات إرهابية، فان الشاب ترك مطلق السراح، ولم يحاول جهاز المخابرات الداخلية «الشاباك» تتبعه أو إلقاء القبض عليه، وهو أمر يبعث على الشك، على نحو يسمح بافتراض أن تركه لم يكن إهمالا أو مصادفة، وإنما كان الأمر مقصوداً. وهذا الشك في ضلوع الشاباك في المسألة ووجود اجندة خفية وراء ما جرى، عبر عنه أيضاً عاموس هرئيل أحد المعلقين في «هاآرتس».
أمثال هذه التعليقات التي توحي بأن الشاباك غض الطرف عن تحركات الإرهابي عبيدان ناثان، أرادت أن تقول أن شارون سعى لان يضرب عصفورين بحجر واحد، فمن ناحية فان «السماح» بوقوع الحادث يورط معارضيه من غلاة المستوطنين ويحرجهم أمام الرأي العام الداخلي. ومن ناحية ثانية فانه أراد أن يبرهن للرأي العام الخارجي على انه يواجه ضغوطاً عنيفة في الداخل، ولا يستطيع أن يكرر مسألة الانسحاب مرة ثانية (من الضفة الغربية)، حتى لا ينفجر الموقف داخل البلاد، وهي رسالة تقول لكل المعنيين بالأمر: لا تطالبونا بأكثر مما فعلنا، لأنه يفوق طاقتنا فضلاً عن انه يهدد الاستقرار والسلام الاجتماعي في إسرائيل.
«2»
الموقف يبدو عبثياً في غزة. فثمة أسئلة كبيرة تتعلق بالمستقبل لا أحد يستطيع الإجابة عليها. وكان امتناع وزيرة الخارجية الأمريكية كوندوليزا رايس أثناء زيارتها لتل أبيب في «7/23» عن الإجابة على الأسئلة المتعلقة بمصير القطاع إشارة إلى أن الأمر متروك لتقدير الإسرائيليين «الذين إذا كانوا قد قرروا الانسحاب بغير تشاور مع الفلسطينيين، فربما أرتأوا انهم وحدهم الذين سيحددون مدى الانسحاب والنتائج المترتبة عليه». مع ذلك فمن المؤكد أن غزة لن تخرج عن دائرة النفوذ الإسرائيلي، وإنما ستظل في منزلة بين المنزلتين، فلا هي محتلة تماماً ولا هي مستقلة بالمطلق. من المؤكد أيضاً أن الخروج النسبي من غزة سيعني استفراد إسرائيل بالضفة. بعدما نجحت سلطة الاحتلال في إحكام قبضتها عليها واستنزاف المقاومة، التي لم تستطع طيلة العامين الأخيرين أن تقوم بأي عملية ضد الأهداف الإسرائيلية هناك رغم وفرتها. وهو ما يثير سؤالاً آخر حول موقف السلطة وفصائل المقاومة إذا ما واصل الإسرائيليون اجتياحاتهم وعدوانهم على محافظات القطاع، هل يلتزمون الصمت ويتصرفون كأن الأمر لا يعنيهم، أم يتحركون. وما هو سقف التحرك في هذه الحالة. هذه بدورها مسألة غامضة، ما هو ثابت منها أن السلطة لن تسمح بأي عمل عسكري في غزة تقوم به منظمات المقاومة، التي ستجد نفسها في موقف غاية في الحرج. وإذا كانت قيادة السلطة قد أمرت بإطلاق النار على مجموعة «حماس» التي أطلقت صاروخاً على إحدى المستوطنات «في7/13 الماضي»، فلك أن تتصور مسلكها إذا ما تكررت العملية بعد الانسحاب. «لا تنس انه حين قتل الإسرائيليون عنصراً من الأمن الوطني الفلسطيني أثناء اجتياح طولكرم «في 7/12»، سكتت قيادة السلطة، أما حين ردت حماس وقتلت إحدى المستوطنات، فإنها تعرضت لرشق الأمن الفلسطيني، فيما يمكن أن يفسر بأن قوة الضغوط على قيادة السلطة جعلت غيرتها على الدم الإسرائيلي تتجاوز بمراحل الغيرة على الدم الفلسطيني».
الخلاصة أن الإسرائيليين ابقوا على قيادة السلطة «في العتمة» - كما قال الرئيس محمود عباس - في استمرار فج لسياسة إلغاء الطرف الفلسطيني، إمعاناً في إذلاله، وتأكيداً على انهم أصحاب القرار وأصحاب اليد العليا.
في الداخل الفلسطيني أوضاع لا تقل عبثية. من ذلك أن السيد فاروق قدومي أمين حركة فتح حين اجتمع مع أعضاء المجلس الوطني في عمان تحدث عن «بعض مراكز القوى المشبوهة، في غزة، التي تساعد شارون على انفجار حرب أهلية بين الفلسطينيين»، ووصف تلك المراكز بأنها «مافيات» تهدد وحدة العمل الفلسطيني، متهماً إياها بالارتباط مع إسرائيل وأمريكا «الحياة - 7/31» وهو كلام لم يمر بهدوء لان صداه - المعلن على الأقل - تمثل في اختطاف مسؤول الإعلام لأمانة اللجنة المركزية لحركة فتح «سليم الفرا» من خان يونس، وإقالة اكثر من عشرين سفيراً فلسطينياً محسوبين على قدومي. وهو ما رد عليه أبو اللطف بطرد كل قادة الأمن الوقائي وعناصره من حركة فتح. حسبما نشرت الصحف في 8/12.
واضح إذن أن المشكلة متفاقمة ومرشحة للتصعيد داخل حركة فتح. وهو أمر ليس جديداً على المتابعين للشأن الفلسطيني، الذين يثور بينهم لغط منذ عدة اشهر حول تطلع بعض عناصر السلطة إلى «وراثة» الوضع في غزة بعد الانسحاب، معتبرين أن وجود السيد محمود عباس يمثل مرحلة انتقالية، بعد رحيل أبو عمار. وفي سعيهم لتحقيق مأربهم فان حرصهم شديد على الاستقواء بالإسرائيليين والأمريكيين، مدركين انهم بغير ذلك لن يحققوا مرادهم. وهو ما يفسر إشارة أبو اللطف في هذا الصدد. وهذا الاستقواء ليس كافياً، لان «المافيات» حرصت على أن تثبت جدارتها وأهليتها من خلال السعي لاجتياز اختبار إسكات صوت المقاومة، التي هي اكثر ما يؤرق الإسرائيليين والأمريكيين.
«3»
لا غرابة والأمر كذلك أن تكون رأس المقاومة الوطنية هي اكثر المطلوبين في مرحلة ما بعد الانسحاب، لان التخوف الإسرائيلي من المستقبل شديد، خصوصاً في ظل ما يدبره شارون وجماعته لوضع القطاع ومصير الضفة، حتى تواترت الإشارات في إسرائيل عن احتمال اندلاع انتفاضة ثالثة من جراء ذلك. وقد نقل عكيفا الدار المعلق السياسي لصحيفة «هاآرتس»، تصريحاً بهذا المعنى على لسان شمعون بيريز القيادي في حزب العمل ونائب رئيس الوزراء.
بوجه أخص، فالأضواء مسلطة على حركتي حماس والجهاد. وقد كانت عملية إطلاق النار بواسطة عناصر الأمن الوقائي على أعضاء خلية حماس أثناء عودتهم من «بيت لاهيا» عقب قصف إحدى المستوطنات «رداً على اجتياح طولكرم» بمثابة رسالة من قيادة السلطة أظهرت «العين الحمراء»، وأيدت ما تردد عن أن السلطة مستعدة للذهاب إلى ابعد مدى والتجاوز عن فكرة حرمة الدم الفلسطيني، في سعيها لوقف أنشطة المقاومة. ومما له دلالته المثيرة للانتباه أن وزير الداخلية الحالي اللواء نصر يوسف، الذي تكفل بتوصيل الرسالة في شهر يوليو الماضي، هو ذاته الذي اصدر تعليماته ذات يوم بإطلاق النار «(في شهر أكتوبر عام 1994» على الخارجين من صلاة الجمعة بمسجد فلسطين في غزة، مما اعتبر مذبحة قتل فيها 17 شخصاً وأصيب عشرات. وكان الرجل وقتذاك مديراً عاماً للأمن الوطني.
ثمة حجتان تترددان على ألسنة بعض رموز السلطة في محاولة قمع «حماس» وشل حركتها. الأولى أنها طامعة في الاستيلاء على السلطة في القطاع «صحيفة هاآرتس نشرت في 7/21 تصريحاً لمحمد دحلان وزير الشئون المدنية وأحد المتطلعين لأداء دور اكبر في المستقبل، قال فيه أن حماس حاولت القيام بانقلاب عسكري في غزة!». وهو كلام يتعذر أخذه على محمل الجد. وقد وجدت أن افضل تعليق على هذا الادعاء هو ما كتبه زميلنا ياسر الزعاترة - المعلق السياسي الفلسطيني - وقال فيه أن حماس ليست مبتدئة في علم السياسة كي لا ترى حقيقة المعطيات الموضوعية التي لا تسمح لها بالتفكير في شيء كهذا. ذلك أن تولي حركة إسلامية للسلطة في القطاع، مرفوض إسرائيلياً وعربياً وأمريكياً. من ثم فليس هناك عاقل في حماس يمكن أن يسعى لوضع من هذا القبيل.
الحجة الثانية التي ترددت هي أن السلطة تسعى إلى الحفاظ على القانون وضبط الفلتان الأمني في القطاع. وتلك حجة يضحك لها كل عارف بما يجري في القطاع، لان الجميع يعرفون أن شعار سيادة القانون لم يرفع حين اغلق ثلاثة من المسلحين شارع صلاح الدين، اكبر شارع في القطاع الذي يصل جنوبه بشماله. ولم يتحرك الأمن الوطني لإعادة فتح الشارع. وهو ما تكرر حين نصبت مجموعة من عشرة أشخاص حواجز على نفس الشارع وصادرت جوازات السفر الدبلوماسية لبعض مسؤولي السلطة، ولم يغضب وزير الداخلية وقت ذاك لإهدار سيادة القانون. كما أن إحدى العائلات استولت على مقر المجلس التشريعي، ولم يتحرك الأمن الوطني. بل أن وزير الداخلية نفسه منعته بعض عناصر فتح من دخول جنين، ومرر هذا الموقف المحرج دون اعتبار لسيادة القانون. وهناك مئات الحوادث المماثلة التي يتحدث عنها الغزاويون، ويتندرون بدلالتها حين يجدون وزير الداخلية وأبواق السلطة يبررون إطلاق النار على عناصر حماس، بحجة الحفاظ على سيادة القانون.